ابن أبي الحديد

202

شرح نهج البلاغة

قيل لكم : ولم لا يكون سبب الإصابة اتفاق ! وإنما يصح لكم هذا التأويل التخريج لو كان على صحة أحكام النجو دليل قاطع ، هو غير إصابة ، فهلا كان دليل فسادها الخطأ ، فما أحدهما إلا في مقابلة صاحبه ! ومما قيل على أصحاب الاحكام ، إن قيل لهم في شئ بعينه : خذوا الطالع واحكموا ، أيؤخذ أم يترك ؟ فإن حكموا بأحدهما خولفوا ، وفعل خلاف ما أخبروا به ، وهذه المسألة قد أعضل عليهم جوابها . وقال بعض المتكلمين لبعض المنجمين : أخبرني ، لو فرضنا جادة مسلوكة ، وطريقا يمشى فيها الناس نهارا وليلا ، وفى تلك المحجة آبار متقاربة ، وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل وتوقف ، حتى يتخلص من السقوط في بعض تلك الآبار ، هل يجوز أن تكون سلامة من يمشى بهذا الطريق من العميان كسلامة من يمشى فيه من البصراء ، والمفروض أن الطريق لا يخلو طرفة عين من مشاة فيها عميان ومبصرون ؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء مقاربا لعطب العميان ؟ فقال المنجم : هذا مما لا يجوز ، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان . فقال المتكلم : فقد بطل قولكم ، لان مسألتنا نظير هذه الصورة ، فإن مثال البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم ، ويميزون مساعدها من مناحسها ، ويتوقون بهذه المعرفة مضار الوقت والحركات ويتخطونها ويعتمدون منافعها ويقصدونها ، ومثال العميان كل من لا يحسن علم النجوم ، ولا يقولون به من أهل العلم والعامة ، وهم أضعاف أضعاف عدد المنجمين .